تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٨٦ - فصل
فصل
اعلم إنّ اختصاص (باللّه و باليوم الآخر) بالذكر، تخصيص لما هو المقصود الأعظم و الكمال الأتمّ و هو العلم بأحوال المبدإ و العلم بأسرار المعاد، و تسجيل بأنّهم مع خسّتهم و دناءة طبعهم ادّعوا إثبات أمر شريف عال لأنفسهم. و هو الحيازة للايمان من جانبيه و الإحاطة بكلا قطريه.
و هاهنا دقيقة اخرى و هي الكشف عن إفراطهم في خبث الباطن و فساد الضمير و تماديهم في قبح الباطن و سوء السريرة، حيث كان قولهم: آمنّا باللّه و باليوم الآخر، خبثا متضاعفا و كفرا متراكما، لأن القوم كانوا يهودا و كانوا يعتقدون في اللّه التشبيه و اتّخاذ الولد، و في اليوم الآخر أن الجنة لا يدخلها إلّا من كان هودا أو نصارى و أن النار لا تمسّهم إلّا أياما معدودة- إلى غير ذلك- فايمانهم باللّه و اليوم الآخر كلا ايمان.
فهم منافقون فيما يظنّون إنّهم مخلصون، فكيف بما يقصدون به النفاق و يرون المؤمنين أنّهم آمنوا مثل ايمانهم. فهم في خبث الباطن و سوء الضمير بحيث لو صدر منهم هذا القول لا على وجه الخداع و النفاق و عقيدتهم لم يكن ايمانا، فلم يكونوا صادقين. كيف و قد صدر منهم تمويها على المسلمين و تهكّما بهم.
و لفظ «من» صالحة للجمع كما للواحد. كقوله تعالى: و منهم من يستمعون اليك فإنّه موحّد اللفظ مجموع المعنى. و العائد إليه يرجع عند التوحيد إلى اللفظ و عند الجمع إلى المعنى ففي قوله: من يقول آمنّا، حصل فيه الأمران.
و تكرير الباء يدلّ على أن علم المبدإ و علم المعاد كلّا منهما علم شريف برأسه و لا يلزم أن يكون داخلا في مقول قولهم. و إن كان داخلا فالمعنى ادعاؤهم الايمان بكلّ واحد مفصّلا على الاستحكام.
و القول مصدر معناه التلفّظ بما يفيد و قد يطلق على القضيّة الملفوظة و على صورتها